مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الخليج: فجوة بين الأرقام المعلنة والتقديرات البحثية لاستهلاك الكهرباء والمياه

AI InfrastructureWater & Energy Resources
صورة توضيحية مُولّدة بالذكاء الاصطناعي: Editorial image for استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي للكهرباء والمياه في الخليج

الزبدة

  • الرقم الرسمي الوحيد شبه المؤكد هو استهداف السعودية بناء قدرة 6 غيغاواط لمراكز البيانات بحلول 2034 مع نمو سنوي مركب 29% في الطلب على الطاقة، بينما تتراوح تقديرات استهلاك المياه الإقليمي بحلول 2030-2031 بين 426 و535 مليار لتر حسب المصدر البحثي.
  • التبريد السائل المباشر يخفض استهلاك المياه المباشر بنسبة 90-98% مقارنة بالتبريد التبخيري التقليدي، لكن نحو 60% من البصمة المائية الفعلية تنشأ في توليد الكهرباء وليس داخل المنشأة، وهو ما يضاعف كلفة كل لتر في اقتصاد يعتمد على التحلية.
  • لا توجد حتى الآن أي بيانات معلنة رسمياً من مشغلين مثل Stargate UAE أو HUMAIN عن استهلاكهم الفعلي للمياه أو الكهرباء، ما دفع مستثمرين مؤسسيين وصناديق ESG لبدء المطالبة بإفصاحات مفصلة قبل تمويل مشاريع جديدة.

تتسابق السعودية والإمارات على بناء بنية تحتية ضخمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في مشاريع تُقاس بالغيغاواط ومليارات الدولارات. لكن خلف الإعلانات الرسمية عن القدرة الحاسوبية، تبقى الأرقام الفعلية لاستهلاك الكهرباء والمياه، وهما الموردان الأكثر حساسية في مناخ الخليج، غير مُفصح عنها من قبل الجهات المشغّلة نفسها. هذا التقرير يفصل بين ما هو معلن رسمياً وما هو تقدير بحثي مستقل، ويستعرض تقنيات التبريد المستخدمة فعلياً وكلفتها المائية الحقيقية.

الأرقام المعلنة رسمياً: القدرة الكهربائية أولاً

تستهدف خطة منظومة الذكاء الاصطناعي في السعودية إنشاء مراكز بيانات بقدرة تصل إلى 6 غيغاواط بحلول عام 2034، وهو الرقم الرسمي الوحيد شبه المؤكد بشأن السعة المخططة على المدى الطويل. إلى جانب ذلك، تشير التقديرات إلى أن الطلب على الطاقة في مراكز البيانات السعودية سينمو بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) قدره 29%، وهو معدل يفوق بكثير نمو الطلب الكهربائي التقليدي في أي قطاع اقتصادي آخر بالمملكة.

في المقابل، لم تُصدر الجهات المشغّلة الكبرى، مثل مشروع "Stargate UAE" الإماراتي أو شركة "HUMAIN" السعودية، أي بيانات علنية عن استهلاكها الفعلي الحالي أو المتوقع من الكهرباء لكل منشأة على حدة. الأرقام المتاحة حتى الآن هي أرقام تخطيطية على مستوى المحفظة الوطنية، وليست بيانات تشغيلية معتمدة (Verified Operational Data) على مستوى المنشأة الواحدة، وهو تمييز جوهري لأي تحليل مقارن بين الدول.

المياه: تباين حاد بين مصادر التقدير

على عكس الكهرباء، لا يوجد رقم رسمي واحد متفق عليه لاستهلاك المياه في قطاع الذكاء الاصطناعي الخليجي، بل مجموعة تقديرات بحثية متباينة بشكل كبير حسب الأفق الزمني والمنهجية المستخدمة:

  • الإمارات تحديداً: بحلول 2030، قد يتطلب قطاع الذكاء الاصطناعي وحده نحو 61 مليار لتر من المياه سنوياً، بحسب تقدير بحثي مخصص للسوق الإماراتي.
  • منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا (MEA) ككل: وصل استهلاك المياه في مراكز البيانات بالمنطقة إلى 119.34 مليار لتر في 2025، ومن المتوقع أن يقفز إلى 426.31 مليار لتر بحلول 2030 بحسب مصدر بحثي.
  • تقدير بديل لنفس المنطقة: جهة بحثية أخرى ترفع السقف إلى 535.71 مليار لتر بحلول 2031، انطلاقاً من نفس نقطة البداية تقريباً (119.34 مليار لتر في 2025).

الفارق بين التقديرين الأخيرين (426 مقابل 535 مليار لتر) رغم تشابه سنة الأساس يعكس حساسية هذه النماذج لافتراضات معدلات النمو ونسب تبني تقنيات التبريد الموفرة للمياه. لأي جهة تخطيط استراتيجي في الخليج، هذا التباين يعني أن نطاق عدم اليقين (Uncertainty Range) في تقديرات الطلب المائي يتجاوز 100 مليار لتر سنوياً بحلول نهاية العقد، وهو هامش خطأ كبير جداً لأي تخطيط لموارد مياه محدودة أصلاً.

الثابت في كل هذه التقديرات هو غياب رقم استهلاك فعلي معلن من الشركات المشغّلة نفسها. لا "Stargate UAE" ولا "HUMAIN" نشرتا حتى الآن أي مقياس تشغيلي مثل معدل فعالية استخدام المياه (Water Usage Effectiveness - WUE) على مستوى المنشأة، وهو المقياس المعياري الذي تعتمده الشركات الكبرى عالمياً مثل Google وMicrosoft للإفصاح عن كفاءتها المائية.

تقنيات التبريد الفعلية وكلفتها المائية الخفية

الانتقال من التبريد الهوائي مع أبراج تبخيرية (Evaporative Cooling Towers) إلى التبريد السائل المباشر (Direct Liquid Cooling) هو المسار التقني السائد حالياً في منشآت الذكاء الاصطناعي عالية الكثافة. البحوث تشير إلى أن التبريد السائل المباشر يقلل استهلاك المياه المباشر بنسبة تتراوح بين 90% و98% مقارنة بأنظمة التبخير التقليدية، وهو فارق حاسم لأي منشأة تُبنى في بيئة شحيحة المياه كالخليج.

على صعيد الجيل القادم من العتاد، أعلنت NVIDIA (يونيو 2026) أن فئة معالجات "Rubin" الجديدة ستعتمد تبريداً سائلاً بنسبة 100%، بحيث تُبرَّد جميع الرقائق والمكونات ضمن نظام مغلق بالكامل (Closed-Loop System) لا يحتاج نظرياً إلى تجديد مستمر للمياه المستهلكة بالتبخر. لكن معظم مراكز البيانات الكبيرة القائمة فعلياً، بما فيها على الأرجح المنشآت الخليجية الجاري إنشاؤها، لا تزال تعمل بأنظمة مختلطة (Hybrid Systems) تجمع بين مياه مبردة (Chilled Water Loops)، وأبراج تبريد، وتبريد هواء مباشر مدعوم بمبردات تبخيرية، أي أن الانتقال الكامل إلى الأنظمة المغلقة 100% لا يزال قيد التطبيق التدريجي وليس المعيار الحالي.

المشكلة الأعمق تقنياً، والتي غالباً ما تُغفل في المقارنات السطحية، هي أن نحو 60% من البصمة المائية الكلية لمركز البيانات لا تنشأ داخل المنشأة نفسها، بل في محطة توليد الكهرباء التي تغذيه، سواء كانت غازية أو نووية أو حتى متجددة تتطلب مياه تبريد في بعض التقنيات. وهذا يعني أن مقارنة كفاءة التبريد داخل قاعة الخوادم وحدها (WUE على مستوى المنشأة) تُخفي الجزء الأكبر من الأثر المائي الفعلي، والذي يُقاس بمؤشر أوسع هو فعالية استخدام المياه على مستوى المصدر (Source WUE).

في سياق الخليج تحديداً، تضاف طبقة إضافية من التعقيد: جزء مهم من إمدادات المياه يأتي أصلاً من التحلية، وهي عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة. عملياً، كل لتر ماء يُستخدم في تبريد مركز بيانات خليجي قد يحمل "كلفة طاقة مضاعفة": مرة لتحليته عبر محطات التناضح العكسي أو التقطير الحراري، ومرة أخرى لتشغيل المنشأة وتبريدها. هذه الحلقة المزدوجة بين الطاقة والمياه تجعل أي حساب مبسط لكفاءة التبريد منقوصاً ما لم يُدرج كلفة التحلية ضمن المعادلة الكلية.

الذروة الصيفية واختبار الإجهاد على الشبكة

الحرارة الشديدة في فصل الصيف تشكل اختباراً سنوياً لضغط البنية التحتية الخليجية، إذ يصل استهلاك الكهرباء في بعض المناطق إلى ضعف مستوياته الشتوية، بينما يزداد الطلب على المياه ويضيق الهامش بين العرض والطلب الكهربائي في اللحظة ذاتها التي تواجه فيها مراكز البيانات أكبر تحدٍ تقني في التبريد، بسبب ارتفاع درجة حرارة الهواء المحيط الذي يُستخدم كوسيط نهائي لتبديد الحرارة حتى في الأنظمة السائلة المغلقة.

على المستوى الإقليمي، تقدّر وكالة الطاقة الدولية أن دول الخليج قد تحتاج إلى مضاعفة قدرتها على توليد الكهرباء بحلول 2030 لدعم كل من بنية الذكاء الاصطناعي والتحلية اللازمة لتبريدها وتزويدها بالمياه، وهو ما يضع القطاعين، الطاقة والمياه، في مسار نمو متلازم وليس منفصلاً كما تعرضه الإعلانات الاستثمارية عادة.

هذه الأرقام الإقليمية تأتي في سياق طلب عالمي متسارع أصلاً: استهلكت مراكز البيانات عالمياً العام الماضي 448 تيراواط/ساعة من الكهرباء، مثّل الذكاء الاصطناعي نحو خمسها، ومن المتوقع أن يتضاعف الاستهلاك السنوي إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030. أما على صعيد المياه، فقد استهلكت مراكز البيانات عالمياً 4.5 تريليون لتر، وهو رقم يضع الحصة الخليجية المتوقعة (426 إلى 535 مليار لتر بحلول 2030-2031) في سياقها النسبي كجزء متنامٍ من إجمالي عالمي ضخم أصلاً.

غياب الإفصاح ودخول الأسواق المالية على الخط

حتى تاريخه، لم تعلن أي من الشركات المشغّلة الكبرى في الخليج، سواء "Stargate UAE" أو "HUMAIN" أو غيرهما من المشغلين، أرقام استهلاكها الفعلي للمياه أو الكهرباء على مستوى المنشأة. هذا الفراغ في الإفصاح بدأ يجذب انتباه الأسواق المالية: تشير التقارير إلى أن بعض المستثمرين المؤسسيين باتوا يطلبون إفصاحات مفصلة عن استخدام المياه قبل الالتزام بتمويل مشاريع تكنولوجية في الخليج، فيما تنظر صناديق الاستثمار الموجهة نحو معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)، التي تسيطر مجتمعة على تريليونات الدولارات من الأصول المدارة، إلى استدامة المياه بشكل متزايد كمؤشر تقييم رئيسي وليس هامشياً.

الخلاصة العملية لصنّاع القرار والمتخصصين هي أن الفجوة بين الطموح المعلن (6 غيغاواط سعودية، ونمو 29% سنوياً في الطلب على الطاقة) والشفافية التشغيلية الفعلية لا تزال واسعة. التقديرات البحثية المستقلة، رغم تباينها الداخلي الكبير، تتفق على اتجاه واحد: نمو مائي وكهربائي يفوق بكثير معدلات النمو التقليدية في القطاعات الأخرى، في بيئة تعتمد أصلاً على التحلية كمصدر أساسي للمياه العذبة. ما لم تُلزم الجهات التنظيمية المشغّلين بالإفصاح عن مقاييس معيارية مثل WUE وSource WUE على مستوى كل منشأة، ستبقى المقارنات الدقيقة بين الأرقام المعلنة والواقع التشغيلي رهينة تقديرات بحثية متضاربة.

واكب

فريق تحرير واكب

تم إعداد هذه المراجعة وتلخيصها بواسطة محرك الذكاء الاصطناعي الخاص بواكب ومراجعتها وتدقيقها من قبل فريقنا التحريري لضمان الدقة والموثوقية.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على ملخص أسبوعي لأبرز أبحاث وأدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة في بريدك.

قناة التليجرام

تابع تغطيتنا اللحظية ونقاشاتنا حول آخر مستجدات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

انضم إلينا على تليجرام

المزيد من الأبحاث

عرض الكل في الأبحاث