طموح المليارات: كيف تبني السعودية عاصمة الذكاء الاصطناعي الجديدة في العالم؟

صورة توضيحية مُولّدة بالذكاء الاصطناعي: Editorial image for

الزبدة

  • تقود شركة هيوماين، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة ويرأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خطة سعودية للوصول إلى 6 غيغاواط من سعة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بحلول 2034 باستثمارات تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
  • يكمن الفارق بين النموذج السعودي وباقي دول الخليج في دمج الحوافز الضريبية والتنظيمية التقليدية مع الاستثمار السيادي المباشر عبر صندوق تبلغ أصوله 941.3 مليار دولار، إلى جانب الوصول المباشر لسلسلة توريد الشرائح.
  • تشمل الشراكات الدولية البارزة اتفاقاً مع AWS بقيمة 5 مليارات دولار وشراء 18 ألف معالج GB300 من إنفيديا وتعاوناً مع شركة xAI لإيلون ماسك شهد ضخ 3 مليارات دولار إضافية في فبراير 2026، وسط تصنيف السعودية في المرتبة 44 عالمياً على مؤشر الجاهزية الرقمية.

في وقت تتسابق فيه دول الخليج على استقطاب استثمارات الذكاء الاصطناعي (AI) عبر مناطق اقتصادية خاصة وحوافز ضريبية، تسلك السعودية مساراً مختلفاً في جوهره: بدلاً من الاكتفاء بجذب شركات التقنية العالمية عبر الإعفاءات والتسهيلات، تضع المملكة ثقلها المالي السيادي مباشرة في قلب اللعبة. فمن خلال شركة "هيوماين" (Humain) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، تسعى الرياض لأن تصبح خلال عقد واحد إحدى أكبر محطات العالم لمراكز البيانات العملاقة التي تُشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو رهان يتطلب عشرات المليارات من الدولارات وشراكات مع أبرز اللاعبين العالميين، من إنفيديا إلى أمازون ويصل إلى إيلون ماسك.

هيوماين: الذراع السيادية التي تبني المنظومة الكاملة

تأسست "هيوماين" في مايو 2025 من قبل صندوق الاستثمارات العامة، ويرأس مجلس إدارتها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان شخصياً، وهو ما يعكس المكانة التي توليها القيادة السعودية لهذا المشروع باعتباره ركيزة أساسية ضمن "رؤية 2030" الهادفة إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط والانتقال نحو ما يُعرف بـ"الاقتصاد المعرفي".

لا تقتصر مهمة الشركة على إنشاء مراكز بيانات فحسب، بل تمتد إلى بناء وإدارة منظومة متكاملة: مراكز بيانات من الجيل الجديد تضم مئات الآلاف من وحدات المعالجة الرسومية (GPU) المتقدمة المُصنّعة من قبل شركة إنفيديا، إلى جانب منصات سحابية آمنة وقابلة للتوسع. بعبارة أخرى، لا تريد السعودية أن تكون مجرد "مستضيف" لخوادم أجنبية، بل طرفاً يملك ويدير حلقات سلسلة القيمة كاملة، من الطاقة إلى الشريحة إلى المنصة السحابية.

الهدف المعلن طموح: توفير 6.6 غيغاواط من سعة مراكز البيانات خلال العقد المقبل. وللمقارنة، الغيغاواط الواحد يكفي عملياً لتشغيل مدينة متوسطة الحجم بالكامل، وهو ما يعطي فكرة عن حجم البنية التحتية المطلوبة لتشغيل مراكز بيانات بهذا الحجم على مدار الساعة.

الأرقام: من الرياض إلى شراكات المليارات

تتوالى الإعلانات المالية بوتيرة متسارعة خلال الأشهر الأخيرة، وتعكس في مجملها حجم الرهان السعودي:

  • تستهدف "هيوماين" الوصول إلى قدرة استيعابية إجمالية تبلغ 6 غيغاواط بحلول عام 2034، في مشروع يتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات.
  • اختارت الشركة بنك "غولدمان ساكس" لتقديم المشورة المالية بشأن مشروع في منطقة الرياض تبلغ تكلفته نحو 5.33 مليار دولار (20 مليار ريال سعودي)، لتوفير سعة تصل إلى 2 غيغاواط.
  • أُسس مشروع مشترك بين "هيوماين" وشركة "سنتر 3" التابعة لشركة الاتصالات السعودية (STC)، بنسبة ملكية 51 مقابل 49%، يستهدف بناء قدرة تبلغ 1 غيغاواط مخصصة للذكاء الاصطناعي، على أن تبدأ بمرحلة أولى سعتها 250 ميغاواط.
  • في يناير 2026، أُعلن عن اتفاق تمويل غير ملزم بين "هيوماين" وصندوق البنية التحتية الوطنية (Infra) بقيمة تصل إلى 1.2 مليار دولار، لتطوير سعة تبلغ 250 ميغاواط من "مراكز البيانات الفائقة"، مع خطط لاستكشاف إنشاء منصة استثمارية مخصصة بالكامل لتمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً.

على الصعيد الدولي، عقدت "هيوماين" اتفاقاً لشراء 18 ألف معالج من طراز GB300 من إنفيديا، مع وعد بتوريد "مئات الآلاف" أخرى لاحقاً، إلى جانب شراكة مع أمازون لخدمات الويب (AWS) بقيمة 5 مليارات دولار لإنشاء "منطقة ذكاء اصطناعي" داخل المملكة. كما عقدت شراكة مع شركة xAI المملوكة لإيلون ماسك لبناء شبكة مراكز بيانات في السعودية، أبرزها منشأة تتجاوز طاقتها 500 ميغاواط، وشهد فبراير 2026 ضخ 3 مليارات دولار إضافية في xAI، في إشارة إلى تعميق هذه العلاقة الاستثمارية.

ما الذي يميّز النموذج السعودي عن باقي دول الخليج؟

تتنافس دول الخليج جميعها على استقطاب استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتشترك في تقديم حوافز مشابهة: مناطق اقتصادية خاصة للحوسبة السحابية، ومعالم ضريبية مخصصة، ودعم تنظيمي، وأسعار كهرباء تنافسية. لكن بحسب مصادر حديثة، فإن ما يميز النموذج السعودي هو أنه لا يكتفي بهذه الحوافز التقليدية، بل يدمجها مع الاستثمار السيادي المباشر والوصول المباشر إلى سلسلة التوريد العالمية للشرائح والمعدات، وهو ما يمنح المشاريع السعودية سرعة تنفيذ وضمانات تمويلية يصعب على القطاع الخاص وحده توفيرها.

ثمة عوامل بنيوية تدعم هذا التوجه:

  • الطاقة الرخيصة: تُعد كلفة الطاقة أحد أهم محددات جدوى مراكز البيانات، نظراً لاستهلاكها الكهربائي الهائل. تجمع السعودية بين طاقة رخيصة نسبياً وموقع جغرافي يقع في قلب شبكة الكابلات البحرية العالمية التي تنقل بيانات الإنترنت بين القارات، إلى جانب إرادة سياسية واضحة لا تتردد في ضخ الاستثمارات.
  • حجم الصندوق السيادي: تبلغ أصول صندوق الاستثمارات العامة نحو 941.3 مليار دولار، ويستهدف الوصول إلى تريليوني دولار بحلول 2030. هذا الحجم المالي يمنح السعودية قدرة على تمويل بنية تحتية بمقاييس تتطلب عادة في الدول الأخرى دورات تمويل تمتد لعقود وتعتمد على أسواق رأس المال الخاص المتقلبة.
  • الفارق بين "الصغير" و"العملاق": بينما تنتشر في دول الخليج مراكز بيانات بقدرات صغيرة ومتوسطة بشكل مستمر، تبرز السعودية عبر "هيوماين" كوجهة مؤهلة تحديداً لاستضافة مراكز بيانات عملاقة الحجم، وهو تمايز نوعي وليس فقط كمياً.
  • مقومات تنافسية إضافية: تتمتع المملكة بحكومة مستقرة، وكثافة سكانية أعلى من بقية دول مجلس التعاون الخليجي، ورؤية اقتصادية طموحة تدفع نحو تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.

هذا المزيج يعني عملياً أن السعودية لا تراهن فقط على جذب الشركات الأجنبية، بل على أن تصبح هي نفسها لاعباً مالكاً ومموّلاً ومشغّلاً لجزء كبير من هذه البنية التحتية، وهو ما يميزها عن الإمارات أو قطر اللتين تعتمدان أكثر على نموذج المناطق الحرة والشراكات مع القطاع الخاص.

السياق الوطني: عام الذكاء الاصطناعي ومنظومة رقمية متسارعة

لا يأتي مشروع "هيوماين" في فراغ، بل ضمن سياق وطني أوسع اعتمدت فيه السعودية عام 2026 رسمياً "عام الذكاء الاصطناعي"، في إطار توجه استراتيجي لتعزيز موقعها كمركز عالمي للتقنية. وقد عززت المملكة بنيتها الرقمية عبر خطوات سابقة، أبرزها إطلاق الحاسوب العملاق "شاهين 3"، وإنشاء مركز بيانات "هيكساغون" الذي يُعد من أكبر مراكز البيانات الحكومية في العالم بطاقة تصل إلى 480 ميغاواط، إضافة إلى "بحيرة البيانات الوطنية" التي تربط أكثر من 430 نظاماً حكومياً في منصة موحدة.

ومع ذلك، تظل هناك مسافة بين الطموح والواقع الحالي: تحتل السعودية المرتبة 44 على مؤشر الجاهزية الرقمية العالمي الصادر عن الرابطة الدولية لمراكز البيانات (IDCA)، وهو ترتيب يشير إلى أن البلاد لا تزال في مرحلة بناء تُحتّم عليها تنفيذ خطط طموحة بسرعة لتحويل الاستثمارات المعلنة إلى قدرة تشغيلية فعلية. فالهدف المعلن ببلوغ 6 غيغاواط من سعة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بحلول 2034 يبقى رهاناً بعيد المدى، يتوقف نجاحه على استمرار تدفق التمويل، وتوفر الشرائح المتقدمة وسط منافسة عالمية شرسة عليها، وقدرة الشبكة الكهربائية على استيعاب هذا الحجم من الاستهلاك.

في المحصلة، يبدو أن السعودية لا تنافس فقط جيرانها الخليجيين على حصة من سوق مراكز البيانات، بل تسعى لصياغة نموذج مختلف كلياً، تكون فيه الدولة نفسها، عبر ذراعها السيادي، المستثمر الرئيسي والمالك والمشغل في آن واحد. وسواء نجحت في بلوغ أهدافها الرقمية الضخمة بحلول 2034 أو تأخرت في بعضها، فإن حجم رأس المال المُعبأ حتى الآن يكفي لجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية خلال السنوات المقبلة.

واكب

فريق تحرير واكب

تم إعداد هذه المراجعة وتلخيصها بواسطة محرك الذكاء الاصطناعي الخاص بواكب ومراجعتها وتدقيقها من قبل فريقنا التحريري لضمان الدقة والموثوقية.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على ملخص أسبوعي لأبرز أبحاث وأدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة في بريدك.

قناة التليجرام

تابع تغطيتنا اللحظية ونقاشاتنا حول آخر مستجدات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

انضم إلينا على تليجرام

المزيد من الأخبار

عرض الكل في الأخبار