فالكون أم علّام؟ معركة شرسة في سماء الخليج لتطويع الذكاء الاصطناعي بالعربية

الزبدة
- فالكون-إتش1 العربي، الذي أطلقه معهد الابتكار التكنولوجي الإماراتي في 5 يناير 2026 بمعمارية هجينة Mamba-Transformer، يسجل 75.36% على لوحة القياس OALL بحجم 34 مليار معامل، متفوقًا حسب المعهد على نماذج عالمية أكبر مثل Qwen2.5 72B وLlama-3.3 70B.
- علّام، الذي بنته سدايا السعودية من الصفر وتديره الآن شركة هيومين عبر تطبيق HUMAIN Chat، يتفوق مع جيس الإماراتي بشكل ملحوظ في فهم اللهجات الخليجية والتعابير الثقافية رغم تراجعه في مقاييس OALL العامة أمام فالكون.
- تحول لوحة القياس العربية نحو اختبارات أصلية مثل 3LM وArabCulture وAraDice جاء تصحيحًا لعيب منهجي في الجيل الأول الذي اعتمد ترجمات عربية لاختبارات إنجليزية كانت تقيس جودة الترجمة أكثر من القدرة العربية الفعلية، بينما تستمر النماذج العالمية الكبرى كشات جي بي تي وجيميناي وكلود في تضييق الفجوة مع النماذج العربية المتخصصة.
دخلت المنافسة على ريادة نماذج اللغة الكبيرة (Large Language Models - LLMs) العربية طورًا جديدًا، بعدما تحوّلت من مجرد إثبات قدرة على "فهم" العربية إلى معركة مقاييس دقيقة تُقاس بالأرقام على لوحات قياس متخصصة. في قلب هذه المعركة يقف نموذجان سياديان خليجيان يمثلان فلسفتين مختلفتين في البناء والتوظيف: فالكون الإماراتي وعلّام السعودي، إلى جانب فنار القطري كطرف ثالث أقل حضورًا في التغطية الأخيرة.
من يقف خلف كل نموذج ولماذا بُني
يقف خلف فالكون معهد الابتكار التكنولوجي (TII)، الذراع البحثية التطبيقية التابعة لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتقدمة في أبوظبي (ATRC). وفي 5 يناير 2026 أطلق المعهد نموذج فالكون-إتش1 العربي (Falcon-H1)، المبني على معمارية هجينة تجمع بين Mamba وTransformer، وهي معمارية تسعى إلى الجمع بين كفاءة المعالجة التسلسلية لنماذج الفضاء الحالة (State Space Models) وقدرات الانتباه (Attention) التقليدية في المحولات. والأهم من الناحية المنهجية أن فالكون أرابيك، بحسب تقارير الجزيرة نت، بُني اعتمادًا على بيانات عربية أصلية تعكس التنوع اللغوي الكامل للعربية، وليس عبر ترجمة بيانات من لغات أخرى؛ وهو تمييز جوهري سنعود إليه عند مناقشة القياس.
في المقابل، يقف خلف علّام (ALLaM) مسار مؤسسي مختلف قليلًا. فقد طوّرته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) كنموذج بُني ودُرِّب من الصفر لدعم الفصحى إلى جانب اللهجات السعودية والعربية المتعددة. لكن إدارة النموذج انتقلت لاحقًا من سدايا إلى شركة "هيومين" (HUMAIN)، بحيث أصبح علّام النموذج الوطني للسعودية الذي بنته سدايا لكن تديره الآن هيومين، وهو ما يشغّل حاليًا تطبيق HUMAIN Chat. هذا الانتقال من جهة بحثية حكومية إلى كيان تشغيلي/تجاري يعكس نموذج حوكمة مختلفًا عن النهج الإماراتي، حيث يبقى فالكون تحت مظلة معهد بحثي تطبيقي مباشرة تابع لـATRC دون وسيط تشغيلي منفصل بالمعنى نفسه.
من الناحية الاستراتيجية، تشير التحليلات إلى أن كلًا من النماذج السيادية الثلاثة في الخليج، فالكون وعلّام وفنار، بُني لحل مشكلة واحدة هي ضعف تمثيل العربية في النماذج العالمية، لكن كل نموذج يتبنى نهجًا مختلفًا يعكس أولويات بلده. ويُذكر في هذا السياق أن معهد الابتكار التكنولوجي كان حاضرًا في سباق النماذج اللغوية العربية لفترة أطول من أي جهة أخرى في المنطقة، إذ بدأت عائلة فالكون كنموذج متعدد اللغات عام قبل أن يتحول الفرع العربي المتخصص إلى ما يُوصف بأنه تحول استراتيجي متعمد نحو التخصص اللغوي بدل التعميم.
ماذا تقول أرقام القياس فعليًا
الاختبار الحاسم لأي ادعاء بالتفوق اللغوي هو نتائج لوحة القياس المفتوحة للعربية (Open Arabic LLM Leaderboard - OALL)، وهنا تظهر فجوة لافتة لصالح فالكون-إتش1 العربي في فئات الحجم المقارنة. فعلى مستوى النماذج متوسطة الحجم، يسجل نموذج فالكون بحجم 7 مليارات معامل (Parameters) متوسط أداء قدره 71.47%، متفوقًا على جميع النماذج بحجم نحو 10 مليارات معامل، بما في ذلك فنار-1-9B القطري ونموذج HUMAIN ALLaM 7B السعودي.
أما على مستوى النماذج الكبيرة، فإن أكبر إصدار من فالكون-إتش1 العربي، بحجم 34 مليار معامل، يسجل نتيجة 75.36%، وهي نتيجة يقول عنها المعهد إنها تتفوق على نتائج أنظمة عالمية أضخم بكثير من حيث عدد المعاملات، مثل Qwen2.5 72B الصيني وLlama-3.3 70B من ميتا، رغم أن كلا النموذجين يتجاوز 70 مليار معامل، أي ضعف حجم فالكون تقريبًا. إذا صحت هذه المقارنة، فإنها تشير إلى أن التخصص اللغوي العميق قد يعوّض فارق الحجم الخام، وهي نقطة محورية في نقاش كفاءة النماذج الأصغر المدرَّبة على بيانات أصلية مقابل النماذج الضخمة متعددة اللغات.
ويسجل فالكون-إتش1 العربي أيضًا درجات مرتفعة في اختبارات عربية أكثر تخصصًا وتعقيدًا من اختبارات الفهم العام، منها اختبار 3LM للاستدلال العلمي والرياضي باللغة العربية، واختبار ArabCulture للأسئلة الثقافية والسياقية التي تتطلب معرفة خلفية غير لغوية بحتة، واختبار AraDice لفهم اللهجات. هذا التنويع في الاختبارات مهم منهجيًا لأنه يفصل بين "الفهم اللغوي السطحي" و"الاستدلال العميق داخل السياق الثقافي العربي".
لكن هذا التفوق الرقمي ليس نهاية القصة. فبحسب التحليل التقني لتطور لوحة القياس نفسها، فإن التحول نحو اختبارات "أصلية" مثل 3LM وArabCulture وAraDice جاء تحديدًا لأن النسخة الأولى من OALL اعتمدت على ترجمات عربية لاختبارات إنجليزية معروفة مثل MMLU وEXAMS. وهذه الاختبارات المترجمة تحمل صياغة وافتراضات ثقافية إنجليزية أصلًا، ما يعني أنها كانت تقيس جودة الترجمة بقدر ما تقيس القدرة العربية الفعلية للنموذج. بعبارة أخرى، فإن الانتقال إلى الجيل الثاني من الاختبارات يمثل تصحيحًا منهجيًا لمشكلة كانت تُخفي الفروق الحقيقية بين النماذج، وهو ما يمنح نتائج فالكون-إتش1 الحالية مصداقية أعلى من نتائج الأجيال السابقة من النماذج العربية التي قيست بالمقاييس المترجمة القديمة.
في المقابل، تشير مصادر متخصصة إلى صورة أكثر تعقيدًا حين يتعلق الأمر باللهجات تحديدًا، إذ إن علّام وجيس (Jais) يتفوقان بشكل ملحوظ على غيرهما في فهم اللهجات الخليجية والتعابير الثقافية الدارجة. هذا يعني أن التفوق الإجمالي لفالكون على لوحة OALL لا يُترجم بالضرورة إلى تفوق مطلق في كل مهمة فرعية، وأن اختيار النموذج "الأفضل" يبقى مرهونًا بطبيعة التطبيق المستهدف: هل هو استدلال علمي ورياضي رسمي بالفصحى، أم تفاعل محادثي يتطلب فهمًا دقيقًا للهجة خليجية معينة وسياقها الثقافي اليومي؟
أين تبقى الفجوة أمام النماذج العالمية
رغم التقدم النسبي للنماذج السيادية العربية في اختباراتها المتخصصة، فإن المشهد الأوسع يكشف أن المنافسة لم تعد محصورة بين النماذج العربية فقط. فقد شهدت السنوات الأخيرة، إلى جانب ظهور نماذج متخصصة أبرزها علّام السعودي وجيس الإماراتي، تحسنًا ملحوظًا في قدرة النماذج العالمية الكبرى، مثل شات جي بي تي (ChatGPT) وجيميناي (Gemini) وكلود (Claude)، على التعامل مع اللغة العربية. هذا يعني أن النماذج السيادية الخليجية لا تتنافس فقط في ما بينها على قمة لوحة OALL، بل تواجه أيضًا منافسة مستمرة من نماذج عامة الغرض ذات موارد تدريب وحوسبة تفوق بأضعاف ما هو متاح لأي مشروع إقليمي واحد، وهي نماذج تُغلق تدريجيًا الفجوة التي كانت تُبرر أصلًا وجود نماذج عربية متخصصة.
يترتب على هذا الواقع أن مبرر استمرار الاستثمار في نماذج سيادية عربية لم يعد "سد فجوة القدرة اللغوية" بمفردها، بل يتحول تدريجيًا نحو اعتبارات أخرى: السيادة على البيانات، والتحكم في البنية التحتية والنشر المحلي، والتخصص الدقيق في اللهجات والسياقات الثقافية التي قد لا تكون أولوية تجارية للاعبين العالميين الكبار. وتبقى المعركة بين فالكون وعلّام، في جوهرها، انعكاسًا لسؤال استراتيجي أعمق يتجاوز الأرقام على لوحات القياس: هل الهدف هو بناء نموذج عربي ينافس عالميًا بمعايير الحجم والأداء الخام، أم بناء بنية سيادية تخدم أولويات وطنية محددة حتى لو بقيت أصغر حجمًا من منافسيها الدوليين؟
فريق تحرير واكب
تم إعداد هذه المراجعة وتلخيصها بواسطة محرك الذكاء الاصطناعي الخاص بواكب ومراجعتها وتدقيقها من قبل فريقنا التحريري لضمان الدقة والموثوقية.
اشترك في النشرة البريدية
احصل على ملخص أسبوعي لأبرز أبحاث وأدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة في بريدك.
قناة التليجرام
تابع تغطيتنا اللحظية ونقاشاتنا حول آخر مستجدات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
